ولاء ماضي | Walaa Mady

إعلامية | كاتبة | باحثة في الإعلام

يا مصر… بتعمليها إزاي؟

الإعلان المصري بيقدر يتحول من فاصل إلى جزء من الذاكرة

إن شاء الله المرة دي هنطول

لم تقل أورنج إننا سنفوز بكأس العالم، ولم تطلب من المصريين أن يصدقوا خطابًا بطوليًا لا يصدقه قائله
كل ما فعلته أنها التقطت الجملة التي تدور في رأس كل مشجع مصري، ثم قالتها قبله: نحن أيضًا نعرف تاريخنا القصير مع البطولة، ونعرف أن الطموح الأول هذه المرة هو ألّا نعود سريعًا إلى البيت

كانت النكتة مفهومة ولم تحتاج إلى شرح، والألطف أن السخرية لم تُحبط الجمهور، بل شجعته بلغته الحقيقية: أمل موجود، وخوف من الخسارة، نحاول دائمًا أن نسبقه بالضحك
هكذا خرجت عبارة «المرة دي هنطول» من الإعلان، ودخلت كلام الناس كأنها كانت موجودة بينهم من البداية

ليس هذا إعلانًا رياضيًا بالمفهوم المعتاد. لا موسيقى تحاول إقناعنا بأن الكأس في جيبنا، ولا أعلام ترفرف خلف وجوه تنظر إلى الأفق، ولا جملة ضخمة عن المستحيل الذي لا يعرف المصريين. فقط نكتة صغيرة، واقعية، ومصرية جدًا. وربما لهذا بدت الحملة أكثر تشجيعًا من حملات كثيرة صرخت بالحماس ولم يصدقها أحد

ومع متابعة ردود الفعل على الإعلان، عاد إلى ذهني سؤال قديم: لماذا ينجح المصريون في صناعة الإعلان إلى هذا الحد؟

اكتشفت حجم هذه الصناعة متأخرة نسبيًا. خلال دراستي للماجستير، وتحديدًا في مادة الإعلان الإعلامي، كان مطلوبًا منا إعداد بحث أكاديمي تطبيقي عن نموذج إعلاني
المشكلة أنني كنت قد ابتعدت عن التلفزيون التقليدي منذ سنوات، وصرت أشاهد أغلب ما أريده عبر منصات مدفوعة لا تعرض إعلانات أصلًا؛ فاضطررت إلى البحث على الإنترنت عمّا فاتني.

وجدت صناعة كاملة: أفكارًا مكتوبة بذكاء، وحكايات تُروى في أقل من دقيقة، وشخصيات نعرفها فورًا رغم أننا لم نرها من قبل، ونكات لا تحتاج إلى شرح لأنها خرجت من قلب المجتمع نفسه.

هنا، في رأيي، تكمن خصوصية الإعلان المصري. في أفضل حالاته، لا ينظر إلى المصريين من الخارج، ولا يتحدث إليهم باعتبارهم مجموعة من المستهلكين أمام الشاشة.
يدخل إلى المطبخ، ويجلس على القهوة، ويركب الميكروباص، ويسمع ما يقال في المدرجات وتجمعات العائلة وشات الأصدقاء، ثم يلتقط جملة عادية جدًا ويعيدها إلينا بعد أن تصبح إعلانًا

وأورنج ليست جديدة على هذه اللعبة
قبل سنوات، حين كانت لا تزال تحمل اسم موبينيل، قدمت إعلان «علشان لازم نكون مع بعض… علشان شايلانا نفس الأرض». لم يكن الإعلان يتحدث عن شبكة اتصالات بقدر ما كان يقدم صورة لمصر: وجوه ولهجات وملابس وطبقات وطرق حياة مختلفة، يجمعها مكان واحد

لم تكن قوة الإعلان في أنه جمع هذا التنوع أمام الكاميرا، بل في أنه لم يعامله كديكور. لم يقل إن المصريين نسخة واحدة، ولم يحاول صهر اختلافاتهم في صورة وطنية مصقولة. كانت رسالته أصدق: نحن مختلفون فعلًا، لكن تحملنا الأرض نفسها، ونحتاج إلى أن نبقى معًا.

لذلك لم يبقَ الإعلان إعلانًا، تحولت أغنيته إلى شيء يرقص عليه البعض، ويبكي عند سماعه آخرون، ويحفظه الجميع، اختفى المنتج تقريبًا وبقي الرابط

أما بنك مصر فقد بنى على مدار سنوات علاقة مشابهة مع الجمهور، لكن من باب الأغنية الوطنية التحفيزية، من «إنت تقدر» إلى «ابن مصر» وما تبعهما، أصبح ظهور محمود العسيلي في إعلانات البنك متكررًا إلى درجة أن الجمهور حوّل الأمر إلى نكتة: هل حصل عسيلي على قرض وتعثر في سداده؟ هل لديهم عليه شيكات؟

النكتة نفسها دليل نجاح، فقد أصبح الجمهور يتعامل مع الإعلانات كسلسلة يعرف أبطالها وينتظر نسختها الجديدة، لا كمواد عابرة بين مسلسلين
في 2026 عاد العسيلي مع بهاء سلطان في «هنا مصر»، أو كما عرفها الناس من جملتها الأشهر: “يا مصر بتعمليها إزاي؟” لم تحتج الأغنية إلى وقت طويل حتى تنفصل عن الإعلان، وتُستخدم في مقاطع المباريات والنجاح والحنين والسفر، وتنتشر خارج حدود الجمهور الذي شاهدها أول مرة في رمضان

قد يقول متخصص في التسويق إن الإعلان، في النهاية، يجب أن يبيع، وهذا صحيح
لكنه لا يبيع دائمًا عرضًا أو حسابًا بنكيًا أو خدمة مباشرة، أحيانًا يبيع علاقة طويلة بين الجمهور والعلامة التجارية؛ شعورًا بأن هذه الشركة تشبهنا، أو على الأقل تعرف من أين تدخل إلينا

حين نتذكر الأغنية وننسى تفاصيل العرض، لا يعني هذا أن الإعلان فشل. قد يكون قد نجح في مستوى آخر أصعب: أن يمنح العلامة مكانًا ثابتًا في الذاكرة. فالناس تنسى الأسعار والدقائق المجانية، لكنها لا تنسى بسهولة من أضحكها في لحظة قلق، أو من جعلها تشعر بأنها مرئية، أو من أعطاها أغنية ارتبطت بمرحلة كاملة من حياتها

وهذا ليس سهلًا مع الجمهور المصري، فهو جمهور سريع الملل، شديد السخرية، وحساس جدًا تجاه التصنع، يعرف فورًا متى تكون اللهجة مفتعلة، ومتى تكون النكتة مستوردة، ومتى تحاول علامة تجارية ركوب موجة لا تفهمها
وقد يمنح الإعلان شهرة واسعة فعلًا، لكن ليس دائمًا بالطريقة التي أرادها أصحابه؛ فالإعلان الرديء يتحول هو الآخر إلى محتوى، ولكن على هيئة تعليقات وكوميكس وسخرية لا ترحم

لهذا لا تكفي الميزانية الضخمة، ولا النجم المحبوب، ولا الأغنية سهلة الحفظ. النجاح الحقيقي يبدأ حين تلتقط الفكرة شيئًا موجودًا بالفعل داخل الجمهور، ثم تصوغه بالطريقة التي كان يشعر بها، لكنه لم يفكر في قولها بعد

أن تأخذ خوف المصريين من خروج المنتخب مبكرًا، وتحوله إلى تشجيع. وأن تأخذ اختلافهم، وتحوله إلى سبب للبقاء معًا. وأن تأخذ الحنين إلى البلد، وتحوله إلى أغنية يرددها مصريون وعرب في المدرجات وعلى الشاشات
هذا هو الفارق بين إعلان يُشاهَد، وإعلان يدخل الذاكرة

والمفارقة أنني ابتعدت عن الإعلانات عندما تركت التلفزيون واتجهت إلى المنصات الخالية منها، ثم اكتشفت أن أفضل الإعلانات لم تعد تحتاج إلى الفاصل أصلًا. صارت تخرج وحدها إلى السوشيال ميديا، يبحث عنها الناس، ويرسلونها لبعضهم، ويعيدون استخدامها في سياقات لم يخطط لها صانعوها

في زمن يشاهد فيه كل شخص محتواه وحده، على منصته الخاصة وفي توقيته الخاص، ربما أصبح الإعلان الناجح واحدًا من آخر أشكال المشاهدة الجماعية، دقيقة واحدة يراها الملايين، فيفهمون النكتة نفسها، ويرددون الجملة نفسها، ثم يشعر كل منهم أن الإعلان كان يتحدث إليه شخصيًا

الإعلان لا يستطيع أن يضمن فوز المنتخب، ولا أن يوحد مجتمعًا كاملًا، لكنه يستطيع للحظات أن يمنح الناس لغة مشتركة: نكتة يحمون بها أملهم، أو أغنية يتذكرون بها من يكونون

ولهذا، كلما ظهر إعلان مصري جيد، خرج من الفاصل وعاش بين الناس، نجد أنفسنا نسأل من جديد: يا مصر… بتعمليها إزاي؟

أضف تعليق