هناك بيوت تحترق مرة واحدة
وهناك بيوت تظل مشتعلة على نار هادئة سنوات، أهلها يعيشون داخلها بشكل طبيعي جدًا، يأكلون، ويتصورون، ويبتسمون، ويعلقون الصور العائلية على الجدران، بينما كل غرفة فيها تحمل حريقًا صغيرًا ينتظر دوره
Little Fires Everywhere
ببيت يحترق، ثم يعود إلى الوراء بحثًا عمن أشعل النار. لكنني لا أظن أن السؤال الحقيقي هو: من أشعل البيت؟
السؤال هو: ماذا نفعل حين يخطئ شخص نحبه؟
هل نسمح للخطأ بأن يمر؟ لا بمعنى تجاهله أو تبريره، بل أن نترك لصاحبه مساحة ليعترف، ويعتذر، ويصلح ما يمكن إصلاحه. أم نحتفظ بكل خطأ، ونضيفه إلى ما سبقه، ثم نخرجه في اللحظة المناسبة لنحرق به بعضنا بعضًا؟
حرفيًا هذه المرة.
تدور الأحداث في شيكر هايتس عام 1997؛ مجتمع يبدو منظمًا، متحضرًا ومتسامحًا، ما دمت تتصرف بالطريقة التي ينتظرها منك. كل شيء له قواعده: شكل البيوت، طول العشب، طريقة تربية الأطفال، معنى الأمومة، من يستحق التعاطف، ومن عليه أن يظل ممتنًا لأنه سُمح له بالدخول من الأساس.
لكن بيت إيلينا لم يحترق لأنه غني، وبيت ميا لم يكن فقير وأكثر إنسانية ، الأخطاء لا تنتمي إلى طبقة اجتماعية بعينها، وقد ينجح أحدهم في إخفاء خطئه فترة أطول بسبب المال أو العلاقات أو القدرة على الرحيل، لكنه يظهر بعد ذلك؛ في الأبناء، في العلاقات، في أكاذيب أخرى تُبنى فوقه، أو في بيت كامل تلتهمه النار.
الفارق الحقيقي ليس في حجم البيت، بل في طبيعة العلاقات داخله: هل يسمح لسكانه بأن يكونوا بشرًا، أم يطلب منهم أن يكونوا الصورة التي اختارها لهم؟
كل شيء في مكانه… إلا الأشخاص
إيلينا ليست أمًا سيئة … لقد فعلت كل ما قيل لها إن الأم الجيدة يجب أن تفعله: اختارت الزوج المناسب، والمنزل المناسب، والمدرسة المناسبة، وربّت أربعة أبناء داخل حياة مرتبة بعناية.
كل شيء متوفر، ما عدا المساحة التي تسمح لكل واحد منهم بأن يكون نفسه.
أبناؤها ليسوا أربعة أشخاص بقدر ما هم أربعة أدوار: الابنة المتفوقة، الابن الوسيم، الابن الحساس، أما إيزي فهي المشكلة.
لم يكن يهم أن إيزي تتألم، المهم أنها تتألم بشكل لطيف ومرتب لا يفسد الصورة العائلية.
حتى ميول إيزي لم تكن شيئًا يمكنها اكتشافه أو الإعلان عنه بأمان. نحن في عام 1997، حين كانت الميول المثلية تُعامل كفضيحة يجب نفيها سريعًا، ولو بإلقاء اللوم كله على الفتاة الأضعف.
اللطيف أن الزمن لم يلغِ الأحكام، بل بدّل مواقعها، ما كان يُعد وقتها عيبًا وعارًا، أصبح الاعتراض عليه اليوم سببًا كافيًا لوصم صاحبه بالتخلف والتطرف والرجعية.

الأحكام لم تختفِ. فقط غيّرت اتجاهها.
إيزي لم تكن وحدها الغاضبة ولا وحدها المخطئة، كانت فقط أقلهم قدرة على التظاهر بأن كل شيء بخير، لذلك قرر الجميع أنها المشكلة.
العنصرية المؤدبة جدًا
المجتمع في المسلسل لا يرى نفسه عنصريًا أو متحيزًا، وهذه هي المشكلة. هو لا يكره المختلف بالضرورة، لكنه يصر على وضعه داخل القالب الذي أعده له مسبقًا.
سوداء وفقيرة؟ تعالي اشتغلي عندي.
سوداء ومثقفة وفنانة؟ غريب، لم أتوقع ذلك.
آسيوية، مهاجرة وفقيرة؟ لا تحاولي كثيرًا مع القانون؛ نحن لدينا البيت، والمال، والمحامي، ونستطيع أن نوفر لطفلتك حياة أفضل.
التنميط هنا ليس شتيمة مباشرة. أحيانًا يأتي في صورة مساعدة، أو نصيحة، أو فرصة عمل، أو حتى امتلاك طفلة تحت غطاء تبنٍّ يُقدّم باعتباره إنقاذًا.
حين عرضت إيلينا على ميا العمل في بيتها، لم تكن تقصد إهانتها. وهذا لا يجعل الموقف أقل دلالة. لم يكن عليها أن تقول شيئًا عنصريًا صريحًا؛ كان التصنيف قد حدث بالفعل.

المسلسل ذكي هنا، لأنه لا يقدم العنصرية دائمًا في صورة شخص شرير يصرخ بإهانة واضحة. أحيانًا تكون العنصرية مؤدبة جدًا؛ ترتدي ملابس جميلة، وتبتسم، وتعرض عليك فرصة، ثم تنتظر منك الامتنان.
الأمر نفسه يتكرر في قضية بيبي تشاو وابنتها. بيبي ليست أمًا مثالية حُرمت من طفلتها بلا سبب؛ لقد تركتها حين عجزت عن إطعامها. وليندا ليست امرأة شريرة خطفت طفلة؛ لقد استقبلتها وربتها وأحبتها وانتظرت طويلًا أن تصبح أمًا.
لا توجد إجابة نظيفة.
لكن لماذا بدا صوت ليندا أكثر شرعية منذ اللحظة الأولى؟ لأنها تتحدث اللغة التي يفهمها القانون، ويسمعها سكان المنطقة، وينشرها الإعلام: بيت، زوج، مال، محامٍ، وصورة واضحة للأسرة الصالحة. أما بيبي فامرأة آسيوية مهاجرة وفقيرة، تتحدث من مكان مليء بالذنب والعجز.
لم يكن المجتمع بحاجة إلى إعلان احتقاره لها. كان يكفي أن ينظر إليها ويقرر مسبقًا أنه أدرى بابنتها منها.
لكن ميا ليست أمًا مظلومة
هنا أيضًا لن أمشي وراء التقسيمة السهلة. لا أرى ميا ضحية بريئة، ولا الأم الحرة التي واجهت إيلينا المتحكمة وانتزعت حقها في الحياة.
ميا أم فوضوية، أنانية أحيانًا، ومؤذية في أحيان أخرى. اتخذت قرارات مصيرية وحدها، ثم أجبرت بيرل على دفع ثمنها. كذبة وراء الأخرى، بحر، أو محيط كامل، من الأكاذيب، ثم توقعت من ابنتها أن تظل ممتنة لأنها معها.
كانت تقول إنها تحمي بيرل، لكنها في أوقات كثيرة كانت تحمي نفسها من مواجهة ما فعلت، ومن احتمال أن تكتشف ابنتها أن هناك حياة أخرى كان يمكن أن تعيشها، ثم تختارها.
ميا لم تكن تمنح ابنتها الحرية، كانت تنقل القفص معها من مدينة إلى أخرى. قفص إيلينا كان بيتًا كبيرًا، منظمًا، له حديقة وصور عائلية. وقفص ميا كان سيارة وحقائب جاهزة وفلسفة طويلة عن الحرية.
لكن القفص يظل قفصًا، حتى لو تحرك كثيرًا.
حتى دفاعها عن بيبي لم يكن نابعًا من العدالة وحدها؛ رأت نفسها في قصتها، فحوّلتها إلى معركتها الشخصية. والأخطر أنها دخلت حياة أبناء إيلينا، وعرفت أسرارهم، ثم استخدمت ما عرفته في حربها مع أمهم.
وهذا لدي، كأم، لا يُغتفر.
لا أحد يسوي مشاكل الكبار بإيذاء الصغار، خاصة وقد أحبوها، واحتموا بها، ولجأوا إليها. كانت تعرف أين توجد الشقوق، وبدلًا من أن تساعد على ترميمها، وسّعتها.
لهذا لا أستطيع التعامل معها باعتبارها الأم الحرة في مواجهة الأم المسيطرة. إيلينا تقول لأبنائها: كونوا كما أريد. وميا تقول لبيرل: لا تصبحي ابنة تستطيع الرحيل عني.
كلتاهما تحب أبناءها، وكلتاهما تؤذيهم باسم هذا الحب.
بشر… يخطئون ويخفون ويهربون
ربما هذا أكثر ما أعجبني في المسلسل: لا أحد طيب تمامًا، ولا أحد شرير تمامًا.
الأمهات أخطأن، وكل واحدة بررت خطأها باسم الحب أو الحماية. والأبناء فعلوا الشيء نفسه؛ الابنة الكبرى حملت وأجهضت، الإخوة أخفوا عن بعضهم علاقات وأسرارًا، وتحول الألم حين ظهرت الحقيقة إلى خيانة وغضب وقسوة. وفي البيت الآخر، عاشت ابنة داخل أكاذيب أمها، ثم بدأت هي أيضًا تخفي وتكذب.
الجميع أشعل حريقًا صغيرًا.
وكان يمكن لهذه الحرائق أن تنطفئ لو وُجد داخل الأسرة اعتراف، أو رحمة، أو فرصة حقيقية للكلام. لكن الأخطاء جرى إخفاؤها أو إنكارها أو استخدامها ضد أصحابها.
وحين لا تستطيع الأسرة أن تفهم الخطأ، وتحاسب عليه، ثم تتجاوزه، تظل تحمله من غرفة إلى أخرى، حتى يمتلئ البيت كله بالدخان.
حين أشعل الأبناء النار في غرفهم، لم تكن لحظة انتصار ولا عقابًا عادلًا لإيلينا. كانت لحظة فشل كامل للأسرة. الأبناء الذين لم يعرفوا كيف يواجهون أمهم، حطموا البيت الذي يمثلها، والأم التي لم تسمعهم وهم يتكلمون، لم تسمعهم إلا حين اشتعلت النيران.

أغنيتان تختصران الحكاية
الموسيقى هنا ليست مجرد استعراض لأغاني التسعينيات. أغنيتان تحديدًا تقولان تقريبًا كل ما يريد المسلسل قوله.
الأولى Bitch، التي تجمع المتناقضات كلها في امرأة واحدة: الأم والطفلة، الحبيبة والغاضبة، الحنونة والقاسية. وهذا هو المسلسل فعلًا؛ محاولة مستمرة لمقاومة اختصار النساء داخل تعريف واحد.
إيلينا ليست الأم المنظمة فقط، وميا ليست الأم الحرة، وبيبي ليست الأم المظلومة، وليندا ليست الأم البديلة. كل واحدة منهن ضحية ومذنبة، تحب وتؤذي، تخاف وتسيطر، وأحيانًا تفعل كل ذلك في الوقت نفسه.
Bitch تقول: لا تختصرني.
ثم تأتي Build It Up في النهاية لتسأل: ماذا نفعل بعد أن ينهار البناء الذي حبس الجميع داخل هذه الأدوار؟
لا تعِد بناء البيت نفسه، ولا الصورة نفسها، ولا العلاقات نفسها التي احترقت. ابنِ شيئًا آخر، بعد أن تعترف أولًا بأن البناء القديم لم يعد صالحًا.
لا توجد أسرة بلا أخطاء، ولا طبقة اجتماعية تحتكر الفضيلة أو الشر. السؤال ليس: من أخطأ؟
الجميع أخطأ.
السؤال هو: هل توجد داخل الأسرة مساحة للعودة من الخطأ؟ هل نستطيع أن نقول: ما فعلته سيئ، لكنه لا يمحوك تمامًا؟ أم نحتفظ بأخطاء من نحبهم، ونحاصرهم داخلها، ثم نندهش حين يفضلون إحراق البيت على الاستمرار فيه؟
في Little Fires Everywhere لم تكن المشكلة أن الأسرة مليئة بالأخطاء. كل الأسر مليئة بالأخطاء.
المشكلة أن أحدًا لم يعرف كيف يقول: أخطأت.
وأحدًا لم يكن مستعدًا لأن يرد: أعرف… تعالَ، سنرى ما الذي يمكن إصلاحه.
ولهذا، بدلًا من أن يمرّروا الأخطاء، ولّعوا في بعض.
حرفيًا.

أضف تعليق