“لقد خلقنا الإنسان في كبد” والحياة دار شقاء والآخرة دار الراحة.
والله عارفة… بس تعبت.
تعبت بجد.
فرهدت… خلصت طاقة.
مع أن “تعبت” أحيانًا لا تعني ساعدني لأكمل، بل تعني ببساطة أنا لا أريد أن أكمل بالطريقة نفسها!
تصور عدّاء بيجري مسافة 800 متر… عدّاء عالمي، له أرقام ممتازة، هو والجمهور والمخرج والتلاتة اللي قاعدين ورا عارفين إنه قدها وقدود.
بس هو وقف في تلتين المسافة وقال أنا تعبت. ها؟ هنعمل إيه؟ هنشرح له إنه بطل؟ هو عارف، هنفكره بخط النهاية؟ هو شايفه، هنقوله ما تستسلمش؟ طب ما هو قال بوضوح إنه لم يعد قادرًا على الجري.
لماذا لا يصدق أحد التعب إلا بعد ما صاحبه يقع؟

من فترة، امتلأ الإنترنت بفيديوهات لشباب زي الورد، في العشرينيات من أعمارهم، يبكون أمام الكاميرا لأن تأمين مأكل ومسكن وحياة عادية أصبح أصعب مما يحتملون.
شباب أصابهم الاحتراق النفسي من أول الطريق تقريبًا، عندما شاهدتهم غمرني الحزن وفكرت إذا كانوا قد استُنزفوا في العشرين، فماذا سيفعلون حين يصلون إلى الأربعين؟
المصادفة السوداوية أنني لم أعرف فيلم The Happy Worker لأنني كنت أبحث عن إجابة، عرفته لأننا اشتريناه في القناة سنة 2023 وجدت نفسي أعمل على فيلم عنوانه “الموظف السعيد” بينما محتواه كله تقريبًا يشرح كيف نجح المسؤولين في صناعة موظف تعيس، مرهق، وخائف، لكنه يبتسم في الاجتماعات ويؤكد أن كل شيء ممتاز.

العنوان عكس المحتوى تمامًا، وهذه أول أفكار الفيلم الذكية، وليست آخرها…
يبدأ المخرج الفنلندي جون ويبستر من دليل أمريكي صدر سنة 1944 عن “التخريب البسيط” كتبته آنذاك “مكتب الخدمات الاستراتيجية” الجهاز الذي سبق تأسيس المخابرات المركزية الأمريكية، ليعلّم الناس كيف يعطلون مؤسسات العدو من الداخل من غير قنابل ولا حرائق، قاطع سير العمل كلما أمكن، اعقد اجتماعًا بينما يوجد عمل أهم، ضاعف الأوراق، أحِل كل قرار إلى لجنة ناقش مسائل لا علاقة لها بالموضوع، واجعل ثلاثة أشخاص يوافقون على ما يستطيع شخص واحد إنجازه.
المفاجأة ليست في أن هذه التعليمات كانت فعالة في تخريب مؤسسات العدو، بل في أننا أخذناها بعد ثمانين سنة تقريبًا، وسميناها بيئة عمل محترفة.
الفيلم قائم على مقابلات مع موظفين ومديرين وباحثين، من بينهم عالم الأنثروبولوجيا ديفيد غريبر، صاحب كتاب Bullshit Jobs، وكريستينا ماسلاش، من أهم من درسوا الاحتراق الوظيفي، وبين الكلام الجاد، يستخدم سخرية بصرية شديدة الذكاء؛ أطفال بملابس موظفين يجلسون خلف المكاتب، كأن المدرسة لا تعدّهم للحياة بقدر ما تدرّبهم مبكرًا على الطاعة، والجلوس، وانتظار الإذن، وتنفيذ المطلوب بالطريقة المطلوبة.
ثم تأتي الأرقام لتفسد ما تبقى من النكتة، أكثر من 35 في المئة من العاملين في دول غربية يرون أن وظائفهم لا تضيف شيئًا، ونحو 85 في المئة من الموظفين عالميًا إما غير مندمجين في عملهم أو منفصلون عنه تمامًا.
أرقام صادمة ليس فقط لأن الناس لا تحب وظائفها، بل لأننا نقضي جزءًا ضخمًا من أعمارنا داخل منظومة لا نؤمن بما نفعله فيها، ثم نعود إلى بيوتنا مستنزفين أكثر من أن نعيش الجزء الذي يخصنا من اليوم.
وهذه هي الفكرة التي تجعلني أكره معظم النصائح المقدمة للمنهكين. لأنك حين تقنع الموظف بأن أزمته سببها أنه لا ينام جيدًا، أو لا ينظم وقته، أو لا يفصل بين حياته وعمله، تكون قد أعفيت المؤسسة بالكامل من المسؤولية، يصبح النظام بريئًا، والموظف العبد المنهك هو المتهم، لم يكن إيجابيًا بما يكفي، لم يمارس التأمل، ولم يشرب لترين من الماء قبل أن ينهار!

لا يقدم The Happy Worker نظرية مؤامرة، بل يكشف شيئًا أسوأ، نظامًا معلنًا، قانونيًا، ومنظمًا بعناية، يحول البشر إلى أرقام، ثم يتظاهر بالدهشة حين يسقطون.
عبودية حديثة لا تحتاج إلى سلاسل؛ يكفيها راتب لا تستطيع الاستغناء عنه، ومؤشرات أداء لا تنتهي، وخوف دائم من أن يوجد شخص آخر أكثر قدرة منك على الاحتمال.
والأذكى أن الفيلم لا يضع شريرًا واحدًا في المنتصف لنكرهه ونرتاح، المدير نفسه محاصر بنظام، والموظفون يشاركون في استمرار الخدعة لأن كل واحد منهم يخفي تعبه، ويرتدي قناع “الموظف السعيد”، فيظن الباقون أنهم وحدهم الذين لم يعودوا قادرين على الاحتمال. الجميع يرى الواجهة اللامعة، ولا أحد يرى ما يحدث خلفها.
يطرح الفيلم حالات وأرقامًا وأفكارًا، ويفضح العبث بقدر كبير من السخرية… وبس.
لا يخبرنا كيف ننجو، ولا يقدم عشر خطوات لاستعادة الشغف، ولا يطلب من المنهكين أن يصبحوا نسخًا أفضل من أنفسهم. يتركنا أمام حقيقة ثقيلة…لا يمكن مطالبة الإنسان بإصلاح نفسه حتى يتكيف مع بيئة هي أصلًا مريضة!
وأحسن.
ماكنتش ناقصة في آخر الفيلم حد يقولي أصحى بدري، وأكتب أهدافي، وأبدأ يومي بالامتنان.

أضف تعليق