عزيزي كوبريك أحدثك من المستقبل

Clockwork Orange

يفرّق الناقد موراي سميث بين أن يضعك الفيلم إلى جوار شخصية، فتتحرك معها وتعرف ما تعرفه وترى العالم من موقعها، وبين أن يمنحها تعاطفك وتأييدك الأخلاقي. الأول يسميه Alignment، والثاني Allegiance.
الاثنان ليسا الشيء نفسه، لكن كوبريك يقضي ساعتين وستة عشر دقيقة في العبث بالمسافة بينهما.

منذ اللقطة الأولى، يضع أليكس في منتصف الشاشة ينظر إلينا مباشرة. 
صوته هو الذي يحكي، لغته هي التي نتعلمها، وموسيقاه هي التي نسمعها. 
شخصيته واضحة وصريحة وحيوية، وكوبريك يملأ الشاشة بها حتى يكاد يطرد منها بقية البشر.

لم أحتج إلى وقت طويل كي أكتشف، إكتشاف مصحوب بالعار، أنني أقف في جانبه وأتمنى أن ينجو! رغم معرفتي أنه سادي، مغتصب، قاتل وسارق، يعتدي حتى على رفاقه بوحشية شديدة.
بعد هذا الشعور، ودقائق قبل إنتهاء الفيلم، أدركت الخدعة… رأيت الفخ.

كوبريك لم يترك المعضلة الأخلاقية مفتوحة كما تبدو، بل رتّب الأدلة كلها لتوصلنا إلى الحكم الذي يريده هو.

الإباحية حاضرة من أول 15 ثانية، منذ دخول حانة كوروفا، حيث تتحول أجساد النساء العارية إلى طاولات ومقاعد وموزعات للبن، ثم تمتد إلى بيوت ضحايا أليكس، لا باعتبارها تفصيلة عابرة، بل أسلوب حياة كامل… أو كما وصفها الناقد أندرو ساريس، Pornographic Pop مفترض بوصفه نمط حياة الطبقة الثرية التي يستهدفها أليكس.



المبالغة في الإباحبة تتجلى في الفارق بين الرواية والفيلم في مشهد مقتل سيدة القطط.
في الرواية، يقتلها أليكس بتمثال نصفي لبيتهوفن، أما في الفيلم، تمسك هي بتمثال بيتهوفن، بينما يقتلها هو بمنحوتة زجاجية ضخمة على هيئة قضيب وخصيتين!! التغيير لا يخدم الجريمة وحدها، بل يحيط الضحية بعالم جنسي مبتذل، كأن الفيلم يهمس للمشاهد بأن هؤلاء فاسقون على أي حال، فلا تحمل ذنبهم.

يفعل الشيء نفسه مع والدي أليكس، ملابس صارخة، بيت مبتذل وحياة تبدو كاريكاتورية إلى الحد الذي يصعب معه تحديد إن كانا طبيعيين أم مختلين؟ طيبين أم شريرين؟ أم هم فقط مجرد قطعتين إضافيتين من الديكور؟ 

في المقابل، لا يقدم الفيلم سبباً واحداً واضحاً لبشاعة ابنهما… لا طفولة مدمرة، ولا تربية قاسية، ولا جينات، ولا مدرسة دفعته إلى ما صار إليه، ولا مجتمع يمكن تحميله الفاتورة كاملة.

أليكس شرير لأنه يحب الشر، ويمارسه ببهجة، وهذا تحديداً ما يجعل السؤال الذي يطرحه الفيلم صعباً.

هل الإنسان الذي لم يعد قادراً على الشر أصبح طيباً؟ بالطبع لا… لقد أصبح ضحية دائمة، عاجزاً حتى عن الدفاع عن نفسه.
لكن أيضاً الإنسان الذي يحب الشر ويقدر عليه لعنة تمشي على قدمين. 
طيب، كيف نمنع أذى المؤذين من دون أن نسلبهم حرية الاختيار؟ وهل يحتفظ الشرير بحقه الكامل في الاختيار حين يدفع الآخرون ثمن هذا الحق من أجسادهم وحياتهم؟ … كانت تلك الأسئلة هي ما احتل عقلي أياماَ وأنا في مرحلة (تخمير) الفيلم بعد مشاهدته.

سياسياً، يقترب ما تفعله الدولة بأليكس مما وصفه ميشيل فوكو بالسلطة الانضباطية، وهي سلطة لا تكتفي بمعاقبة الجسد، بل تعيد تشكيله حتى يصبح مطيعاً وقابلاً للاستخدام.
تقنية لودوفيكو لا تجعل أليكس إنساناً أفضل، إنها تصنع جسداً يتقيأ إذا فكر في المقاومة، وينحني أمام من يهينه، ثم يُعرض فوق المسرح باعتباره منتجاً ناجحاً لسياسة الدولة.

لكن الاعتراف بعنف السلطة لا يجعل أليكس بريئاً، ولا يحول جرائمه السابقة إلى مقدمة ضرورية لمظلوميته اللاحقة.
الدولة لم تخلق شره، هي فقط اكتشفت أنه مادة ممتازة لتجربتها، وعندما تحولت التجربة إلى فضيحة، أعادته إلى طبيعته وعقدت معه صفقة جديدة. الحكومة لا تريد مواطناً صالحاً بقدر ما تريد جسداً نافعاً، سواء كان مطيعاً أو عنيفاً، ما دام عنفه لا يهددها.

هذا الجزء من الفيلم طويل… السجن، والعلاج، وما بعد الخروج، كلها تمتد أكثر مما تحتمل فكرتها، وبالنسبة لي، كان الثلث الأول مقبول الإيقاع إذا تذكرنا أننا نشاهد فيلماً من السبعينيات، بينما أصبح الثلثان التاليان شديدي البطء والملل.
لم أكن وحدي في ذلك، روجر إيبرت وأندرو ساريس وبولين كايل، بدرجات مختلفة، توقفوا أمام بطء الفيلم واستطالته، حتى إن ساريس وصفه بأنه متكلف وممل، ورأى إيبرت أن ثلثه الأخير يبدو بطول نصف الفيلم.

ومع ذلك، الفيلم مؤذٍ، وبمقاييس زمنه كان صدمة كاملة. 



من باب الفضول، لاحقت تعليقات المشاهدين على مقاطعه في يوتيوب ومواقع أجنبية تتيحه للعرض، كثيرون لا يتذكرون الفيلم فقط، بل قاعة السينما التي شاهدوه فيها، ومن جلس إلى جوارهم، واللحظة التي اصطحبهم فيها أهلهم وغادروا.
وكتب أحدهم أن ملصق العرض كان يحمل علامة X فأضاف الجمهور بجوارها علامتي X أخريين، تعبيراً عن أن X واحدة لا تكفي هذا البلاء.

وهنا… نصل إلى كوبريك نفسه، مخرج مبدع وعبقري، لا أختلف على ذلك، لكننا نقف للمرة الألف أمام سؤالي المكرر عن حدود الكاميرا.
لن أخوض في رمزيات الفيلم التي لم تعد رمزية من فرط وضوحها، ولا في اسم البرتقالة الآلية الذي قُتل تحليلاً وتأويلاً، ولا حتى في العدسات العريضة والنظرة المباشرة والصوت المصاحب التي فرضت أليكس علينا بطلاً وحيداً.
كل هذا نال كفايته خلال أكثر من خمسين عاماً.

أنا أشاهد الفيلم الآن في عام 2026 بوصفه واحداً من أفلام تأجيج العنف والتطبيع مع الإباحية، بعدما خلط الاثنين وقدمهما في قالب مستقبلي مزخرف، بألوان زاهية وموسيقى بيتهوفن التاسعة.
بطلنا السادي المغتصب لا يُمنح الكاريزما فقط، بل يحب الفن الرفيع ويقدّره، بينما يبدو ضحاياه قبيحين أو بلهاء أو غارقين في الابتذال.

دافع كوبريك عن العنف السينمائي في حواره مع مجلة Sight and Sound، قائلاً إنه قد يؤدي غرضاً اجتماعياً مفيداً! حين يمنح الناس وسيلة غير مباشرة لتحرير المشاعر العدوانية المكبوتة داخل الحالة الشبيهة بالحلم التي تصاحب مشاهدة الفيلم، ثم نفى أن تكون الأفلام قادرة على تشجيع العنف أو الترويج له، لأنها، حسب منطقه، تروّج للفن.

يا عزيزي، إما أن تعترف بتأثير الأفلام أو تنفيه، لا يمكنك أن تمنح الصورة قدرة التأثير حين تدعم حجتك، ثم تسحب منها نفس القدرة حين تصبح مسؤولاً عن أثرها!

فكرة التنفيس، أو Catharsis Hypothesis، كانت جذابة ومريحة، لكنها لم تكن حقيقة نفسية مستقرة حتى وقت عرض الفيلم. تجارب ألبرت باندورا عن التعلم بالملاحظة سبقت الفيلم بسنوات، وأظهرت أن مشاهدة نموذج عدواني قد تعلم المتلقي شكل السلوك وطريقته، خصوصاً عندما يبدو صاحبه جذاباً ومسيطراً، أو ينجو من أفعاله.
لم يعرض كوبريك أليكس كمجرم قبيح يسهل رفضه، منحه الملابس واللغة والموسيقى والرقص والكاريزما، وحتى أسماء جديدة للعنف والاغتصاب تخفف وقعهما الحقيقي.

ويمكن قراءة هذا لاحقاً من خلال مفهوم آخر طوّره باندورا، هو الانفصال الأخلاقي – Moral Disengagement. 
يحدث ذلك حين يُعاد تغليف الأذى بلغة مخففة، أو مقارنة مريحة، أو صورة تقلل من إنسانية الضحية، فيصبح تقبله أسهل.
وهذا تقريباً ما يفعله الفيلم طوال ثلثه الأول، الاعتداء يتحول إلى Ultra-violence والاغتصاب إلى استعراض غنائي، والضرب إلى رقصة على موسيقى روسيني، بينما تُحاصر الضحايا داخل ديكورات جنسية وأداءات مبالغ فيها تبعدهم عن التعاطف.

لكن عندما يصل أليكس إلى كرسي العلاج، يتخلى الفيلم فجأة عن المسافة الساخرة. نشاهد ألمه كاملاً، قريباً وممتداً، ونسمع صراخه الحقيقي.


ولذلك لن يخرج كل مشاهد غير متخصص من القاعة متحدثاً عن روعة حركة الكاميرا، أو عن الحرفية المدهشة في تنفيذ مشهد الانتحار. قد يخرج محملاً بالغضب، يخشى فتح باب منزله، ويكره الحكومة والسجن ورجال الدين والمراهقين والمستقبل ونفسه فوق البيعة.

الفن لا يخرج من الشاشة نظيف اليدين لمجرد أن صاحبه سماه فناً.

عزيزي كوبريك، أحدثك من المستقبل الذي كان فيلمك شديد التنبؤ به، حتى لو لم يتنبأ بالشكل الذي أردته أنت.
مراهقو هذا العصر، وكل عصر، لديهم لغتهم الخاصة ومساحاتهم غير الشرعية التي يفرغون فيها غضبهم.
والحكومات مددت صفقتها مع أليكس عبر أجيال، تسيطر، وتعيد توزيع الخطايا، ثم تمرر عنف أصحاب الكاريزما والروح المرحة والقدرة على المواجهة، ما دام يمكن احتواؤهم أو تحويلهم إلى حلفاء.

لكن أقصى نقطة في اختلافي معك خرجت من حدود الفيلم وتبلورت في تصريحك “إن العنف الذي يتعرض له أليكس في مشهد غسيل الدماغ أكثر رعباً، في الواقع، من أي شيء يفعله هو بنفسه”.

لا. لم يكن أكثر رعباً. لم يكن أبداً.

هل كانت الحكومة شيطاناً؟ نعم. لكنها لم تخطف ملاكاً من سريره. أليكس باع روحه لها طواعية، وما فعله من اعتداءات هو ما انتهى به إلى ذلك الكرسي، مقيداً ومصلوب الجفون.
شره هو ما أهّله للتجربة، وطمعه في عفو سريع هو ما قاده إليها، هذا لا يجعل ما فعلته الدولة مشروعاً، لكنه يمنعني من منح أليكس براءة لم يمنحها هو لأي من ضحاياه.

كان كوبريك يرى أن الفكرة الأخلاقية واضحة “يجب أن يملك الإنسان حرية أن يكون خيراً أو شريراً، حتى إذا اختار الشر، لأن حرمانه من هذا الاختيار يحوله إلى شيء أقل من إنسان، إلى برتقالة آلية”

وأنا أرى أن السؤال لم يكتمل… ماذا نفعل حين تصبح حرية أحدهم في اختيار الشر إلغاءً متكرراً لحرية الآخرين، ثم يأتي الفيلم فيمنحه وحده كل هذا الوقت والصوت والموسيقى كي يبكي على حريته؟

اترك رد

اكتشاف المزيد من ولاء ماضي | Walaa Mady

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة