إما القنبلة أو الميكروفون

في عام 2005، قدّم هاني أبو أسعد في Paradise Now شاباً فلسطينياً لا يرى أمامه طريقاً للخروج من الحصار إلا بأن يخرج من الحياة نفسها.

في 2015 وبعد عشر سنوات، عاد في The Idol ليقدّم شاباً فلسطينياً آخر يخرج من الحصار، لكن من دون أن يمحو نفسه هذه المرة، بالعكس، يخرج لكي يراه الجميع، ويسمعوه، بل ويصوّتوا له أيضاً.

الفيلمان لا يحكيان القصة نفسها لكنهما يضعونا في وسط نفس المأساة، حيث نتساءل كيف يستطيع الفلسطيني المحاصر أن يعبر الحدود؟

أجاب هاني أبو أسعد عن السؤال مرتين… في المرة الأولى أجاب بجسده….وفي الثانية، قال ربما بصوته!

Paradise Now فيلم عُرض عام 2005 بطلاه شابان يعملان في ورشة لإصلاح السيارات، يدخنان، يشربان الشاي، ويتعاملان مع يوم طويل يشبه اليوم السابق له إلى درجة مهينة.

سعيد وخالد لا يبدوان كأبطال الأساطير، ولا كوحوش نشرات الأخبار، وهذا ما جعل الفيلم حقيقياً ومليئاً بالبؤس. هاني أبو أسعد لم يضع مسافة آمنة بين المشاهد وبين شخصيتين تستعدان لتنفيذ عملية استشهادية، لم يسمح لنا بأن نختصرهما في مأساة أو معاناة أو حتى تنظيم، لنغلق الملف ونذهب إلى النوم مرتاحي الضمير.

أراهما بشراً، بشراً أكثر من اللازم، والإنسان، للأسف، أعقد كثيراً من التصنيف.

يُختار سعيد وخالد لتنفيذ عملية في تل أبيب، من هذه اللحظة، تبدأ عملية تجهيز الجسد قبل تفجيره. يُقص الشعر، وتُحلق اللحية، ويُرتدى القميص الأنيق، ثم يُربط الحزام الناسف حول الخصر… الجسد الذي عاش تحت الاحتلال فاقداً أبسط حقوقه في التنقل، يتحول أخيراً إلى شيء قادر على عبور الحدود.
المفارقة أنه لا يعبرها إلا بعدما يتنازل صاحبه عن حقه فيه، في جسده نفسه.

لم يعد الجسد جسداً، صار سلاحاً، وبياناً سياسياً، ومادة مصوّرة، وموعداً محدداً للموت.

حتى رسالته الأخيرة لا يقولها لأمه أو لحبيبته، بل أمام كاميرا التنظيم… يجلس حاملاً السلاح، يقرأ بياناً معداً سلفاً، ويحاول أن يمنح موته معنى قبل أن يحدث.

وفي منتصف هذا الاستعداد المهيب للخلود، لا تعمل الكاميرا كما ينبغي، فيعيدون التصوير… هنا كأن الفيلم يتوقف لحظة ليقول لنا إن صناعة الشهيد، مثل أي إنتاج إعلامي محترم، قد تحتاج إلى إعادة اللقطة.

المشهد ساخر وموجع في الوقت نفسه.

اختيار سعيد لا يأتي من مجرد إيمان سياسي، سعيد يحمل عار أبيه الذي أُعدم بتهمة التعاون مع الاحتلال، ويعيش داخل إحساس لا ينتهي بالعجز والإهانة.
لذلك لا يبدو إصراره على إتمام العملية مجرد اختيار لطريق يراه مقاومة، بل محاولة للتخلص من الوصمة والعار الموروث معها، دفع دين طويل وتقديم دليل السداد… جسده هنا هو دليل سداد الدين.

قال هاني أبو أسعد في مقابلة وقت عرض الفيلم إن أحد أهم دوافع منفذي هذه العمليات هو الرغبة في إنهاء الإذلال اليومي، وإثبات أنهم ليسوا ضعفاء، الإنسان الذي لا يملك قوة في حياته، يحوّل ضعفه بقتل نفسه والآخرين إلى قوة هائلة.

التفسير هنا ليس تبريراً… هذه هي المنطقة الملغمة التي قرر الفيلم أن يمشي فوقها.

خالد يتراجع لكن سعيد يكمل، وبإصرار.

يجلس في الحافلة بين الجنود، وتتقدم الكاميرا ببطء نحو عينيه، ثم تبتلع الشاشةَ مساحةٌ بيضاء.

لا نرى الانفجار، ولا نحتاج إلى أن نراه، فلقد شاهدنا ما هو أهم… الطريق الذي جعل شاباً يرى التضحية بحياته آخر شكل متاح لامتلاكها.

في Paradise Now لا يستطيع سعيد أن يخرج من الحصار إلا عندما يقرر ألا يعود.
يعبر الحدود بجسده، مقدماً إياه قرباناً… ولكي تصل رسالته إلى العالم، يجب أن يختفي صاحبها.

كان ممكناً صنع فيلم بسيط عن العمليات الاستشهادية، فيلم يوزع الخير والشر بوضوح، ثم يعيد كل شخص إلى مقعده غير مدجج بالأسئلة، لكن هاني أبو أسعد اختار الطريق الذي يضمن أن يغضب منه الجميع بنسب متشابهة.

لم يقدّم سعيد بوصفه بطلاً نقياً، ولم يحوّل موته إلى ملصق دعائي للمقاومة.
تركه مرتبكاً، مجروحاً، غاضباً، وأنانياً أيضاً… إنساناً حقيقياً بما يكفي لكي تتعاطف معه بكل جوارحك.

قال أبو أسعد إنه حاول إيجاد توازن بين الواقع والخيال، وبين الدعاية والإدانة، وبين الاحتلال والمقاومة، كما وصف الفيلم بأنه أقرب إلى وثيقة تاريخية عن لحظة يبحث فيها المهزوم عن انتصار مؤجل في السماء، بعدما لم يجد لنفسه انتصاراً على الأرض.

حتى مشهد العشاء الأخير الذي يسبق العملية، بناه المخرج على صورة «العشاء الأخير» لليوناردو دا فينشي.
سعيد يعرف أنه على وشك التحول إلى جزء من أسطورة، هنا يصبح الجسد أيقونة، ورمزاً مقدساً.

ثم مرّت عشر سنوات، ويبدو أن هاني أبو أسعد قرر أن يجيب عن السؤال مرة أخرى، ولكن بعدما أبعد الحزام الناسف قليلاً عن الطاولة.

في The Idol، عام 2015، نحن أمام طفل فلسطيني نعيش معه حتى يصبح شاباً، الحدود حاضرة بالثقل نفسه.الخروج ليس حقاً طبيعياً، بل مغامرة تحتاج إلى تصريح، أو حيلة، أو مخاطرة، أو الثلاثة معاً.

محمد عساف لا يريد الوصول إلى تل أبيب، ولا أن يقدم نفسه قربان، فقط يريد الوصول إلى القاهرة، ثم إلى بيروت، لكي يقف على مسرح Arab Idol ويغني.

أعرف كيف تبدو الجملة، نعم…
بعد فيلم عن عملية استشهادية، عاد المخرج نفسه بفيلم عن برنامج مواهب، كأن المقاومة المسلحة أخذت استراحة قصيرة لتبعث رسالة نصية تحمل رقم المتسابق المفضل، لكنه بالتأكيد نوع آخر من المقاومة.

يبدو الفيلم خفيف، لكنه ذكي، لا يختصر الحصار في بوابة حدودية، فقبل أن يحاول عساف الخروج بجسده يحاول صوته أن يخرج بدلاً منه ويشارك في برنامج فلسطيني عبر سكايب لأنه لا يستطيع الوصول إلى الاستوديو في رام الله، ثم تتدخل كهرباء غزة، كعادتها، لتذكّره بأن الحصار قادر حتى على قطع الأغنية في منتصفها.

عندما يقرر الذهاب إلى اختبارات Arab Idol يُضبط عند معبر رفح بأوراق مزوّرة… وهنا يقرر أن يستخدم صوته للمرة الأولى كجواز سفر، يغني لموظف الحدود فيسمح له بالعبور، مع تحذير صغير لطيف… قد لا تستطيع العودة.

يصل إلى القاهرة بعد أن بدأت الاختبارات ونفدت الأرقام، فيدخل المبنى رغم ذلك، يسمعه متسابق آخر يغني في الحمام، فيمنحه رقمه وفرصته، ويذيب قلبي.
حتى هنا لا يتحرك عساف في طريق مفتوح، ينتزع ممراً بعد الآخر بصوته، بينما يظل جسده حياً بما يكفي ليكمل الرحلة.

الاختلاف الظاهر بين الفيلمين يخفي صلة أكثر عمقاً.

سعيد ومحمد يريدان نفس الشيء، اختراق الحصار، واستعادة القدرة على الفعل، وإجبار عالم أكبر منهما على رؤيتهما.

كلاهما يحتاج إلى عبور ممنوع، وكلاهما يتحول بعد العبور إلى نجم جماهيري.
سعيد يصل بعدما يحوّل جسده إلى سلاح، بينما يصل عساف لأنه يرفض أن يترك جسده حبيس المكان، ويعطي صوته مهمة القتال نيابةً عنه.

في الفيلم الأول، يصنع الفلسطيني رسالته باختفائه، وفي الثاني، يصنعها بظهوره.

اختار أبو أسعد هذه المرة قصة مبنية على أحداث حقيقية، هي قصة محمد عساف الذي خرج من غزة وفاز بلقب Arab Idol عام 2013 ربما لأن تقديم مقاومة فلسطينية تنتهي بالغناء والتصويت والملايين المبتهجة يبدو أخف قليلاً على أعصاب النقاد، وربما أيضاً لأن الرجل، بعد Paradise Now وOmar، كان يحتاج إلى قصة حقيقية تحميه من وضعه على المقصلة كلما قرر أن يمنح فلسطينياً سبباً للغضب.

هذه قراءتي أنا وليست اعترافاً من هاني أبو أسعد، أما هو فقال إن The Idol لم يكن تحولاً كاملاً في المسار، بل «تعديلاً». فالحزن ما زال موجوداً، والاحتلال لم يختف لأن شاباً غنّى جيداً، لكن النهاية تحمل قدراً أكبر من الأمل.

وقال أيضاً إن الأمل هو الأكسجين الضروري لتقدم البشر، وإن فقد الفلسطينيون الأمل فقدوا وجودهم كأمة.

والأهم أنه وضع الفيلمين بنفسه داخل المقارنة التي أتحدث عنها، عندما تحدث عن مسارين بين الشباب الفلسطيني: شباب يصبحون استشهاديين، وشباب يحاولون الوصول إلى ما يريدونه مهما كانت العقبات… وأضاف أنه أصبح أكثر تأثراً بمن يصنعون الأمل.

هنا عاد إلى سعيد بعد عشر سنوات، لم يمنعه من الغضب… لكنه منحه إجابة أخرى.

مع الحدود والحصار والأمل في توصيل الرسالة، يجتمع الفيلمان على استخدام الكاميرا كأداة اتصال.

يقف سعيد أمام كاميرا التنظيم لكي يسجل وصيته، ويقف محمد أمام كاميرا التلفزيون لكي يغني.
لكن نوع الكاميرا يغيّر معنى الرسالة كلها. الأولى توثق الموت قبل وقوعه، والثانية تحتفي بالحياة.

“انا أحب الكاميرا، في الكتب الأكاديمية يدعوها أداة أتصال، أنا أدعوها أداة خلود، أما صورتك الأبدية فهي مسؤوليتك الشخصية”

في الحالتين، هناك مؤسسة تتولى تشكيل الفلسطيني ليصبح قابلاً للمشاهدة، قد يكون تنظيم يصنع “الشهيد” أو برنامج جماهيري يصنع “النجم” وهنا تصبح المقارنة مؤلمة.

هل The Idol بديل للمقاومة؟

الفلسطيني العادي ليس كافياً لجذب نظر العالم، يجب عليه أن يفعل شيئاً فريداً… يجب ألا يطلب من العالم الاعتراف بحياته العادية، لغير الفلسطيني نعم، الحياة العادية حق مشروع، لكن داخل هذا الحصار، فجر نفسك أو امتلك موهبة استثنائية كي أسمعك.

هذا ما تسميه جوديث بتلر “الحق في الظهور” هي لا تتحدث عن برامج المواهب بالطبع، لكن فكرتها الأساسية أن الظهور في المجال العام ليس مجرد وجود مادي، بل مطالبة سياسية بأن يُعترف بك كجسد له مكان وصوت وحقوق.

يرى البعض The Idol اعتذاراً متأخراً عن قتامة Paradise Now أو إجابة أكثر تفاؤلاً وصل إليها المخرج بعد عشر سنوات. لكن هذا سيكون تبسيطاً مريحاً أكثر مما ينبغي.

البرنامج الجماهيري كان تطور عصري مناسب للغاية ليتم استخدامه للهرب، للمقاومة، وجوده على الشاشة يجعله وسيلة مشروعة، بل وواجبة الاستخدام.

سعيد لم يحرر فلسطين بحزام ناسف، وعساف لم يُنهِ الاحتلال بأغنية، هاني أبو أسعد يعرف ذلك، ولهذا لا تنتهي فرحة الفوز في The Idol وكأن المشكلة حُلّت.

الاحتفال نفسه يتحول إلى تظاهرة، والأغنية لا تمحو الحصار، لكنها تمنح المحاصرين لحظة يرون فيها أنفسهم مجتمعين حول شيء غير الموت.

قال أبو أسعد إن الفلسطينيين غالباً ما يكونون غير مرئيين، وحين يصبحون مرئيين يظهرون كإرهابيين. في Paradise Now دخل إلى قلب هذه الصورة وفكك الإنسان المحبوس داخلها.
وفي The Idol حاول إنتاج صورة أخرى بالكامل… الفلسطيني بوصفه صوتاً وفناً وقدرة على صناعة الجمال، لا مجرد ضحية أو تهديد.

الأولى كانت مقاومة تحوّل الضعف إلى قوة عبر تفجير الجسد. والثانية كانت مقاومة تحوّل القبح إلى جمال مع الحفاظ عليه.

ربما لم يغيّر هاني أبو أسعد رأيه بقدر ما تغيرت الظروف، وتغيرت وسائل المقاومة، واستجددت الأدوات، هذه التغيرات أجبرت هاني على طرح سؤال صغير مختبئ داخل السؤال الكبير. في 2005 سأل: ماذا يفعل الإذلال بجسد لا يملك صاحبه السيطرة عليه؟ وفي 2015 سأل: ماذا يستطيع هذا الجسد أن يفعل إذا نجا، وعبر؟

بين الإجابتين تظل المشكلة كما هي، ثقيلة ومخجلة… لماذا يحتاج الفلسطيني إلى أن يموت بصورة استثنائية، أو ينتصر بصورة استثنائية، حتى يُرى؟

اترك رد

اكتشاف المزيد من ولاء ماضي | Walaa Mady

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة