ولاء ماضي | Walaa Mady

إعلامية | كاتبة | باحثة في الإعلام

سالو: فكرة إلتهمتها الصدمة

سالو، أو 120 يومًا من سدوم
Salò, or the 120 Days of Sodom

لقد شاهدته

ليست جملة انتصار، ولا شهادة على قدرة استثنائية على الاحتمال، بالعكس، هي اعتراف ثقيل.
 فمجرد مشاهدة “سالو” فعل لا تراجع عنه.

قد تتوقف أيامًا ثم تعود لتكمله كما فعلت أنا، ضاعفت السرعة، أخرس الأصوات، إكتفيت بالترجمة، مارست كل الحيل التي تجعل المشاهدة أقل وطأة، لكنك لن تستطيع محو ما تسلل منه إلى رأسك.

كنت قد قرأت عنه كثيرًا قبل المشاهدة: الفاشية، والسلطة، والاستهلاك، وتحويل الأجساد إلى سلع.
ظننت أنني أستطيع فهمه وتكوين رأيي من خلال المقالات والتحليلات، ثم اكتشفت أن القراءة عنه لا تكفي أبداً “سالو” ليس فيلمًا يُختصر في حكايته أو يُفهم من خارجه… هو، كما أراد بازوليني، صدمة كاملة الأركان.
وهنا بالضبط كانت مشكلتي معه.

اختار بيير باولو بازوليني “سالو” عن وعي ودراية وحكمة، الاسم يعود إلى الجمهورية الفاشية التي أقامها موسوليني في شمال إيطاليا بين عامي 1943 و1945، في المرحلة الأخيرة من حكمه، سلطة تابعة ومحاصرة تعرف أن نهايتها اقتربت، فلم يعد لديها ما تخفيه أو تخسره.

إلى هذا المكان نقل بازوليني رواية الماركيز دو ساد، المكتوبة عام 1785، وجمع عالمها المتخيل بآخر أيام الفاشية الإيطالية.
أربعة رجال يمثلون السلطة “السياسية والقضائية والمالية والدينية” معهم حرس مسلح ونساء محترفات في العهر والحكي، يختارون مجموعة من الفتيان والفتيات ويأخذونهم إلى منزل معزول.

لكن المنزل ليس مكانًا للرغبة أو المتعة، بل مخزن أقرب للمعسكرات، هناك قوانين ومواعيد وعقوبات.
والضحايا لا يُعاملون كبشر، بل كغنائم وأجساد متاحة للاستخدام، العنف هنا ليس حادثًا عابرًا ولا انفجارًا مفاجئًا؛ إنه برنامج يومي كامل، له قواعده وطبقاته ومواعيده.

الشر حين يصبح وظيفة بدوام كامل

المزعج في “سالو” ليس فقط ما يحدث على الشاشة، بل الطريقة التي يحدث بها.

لا صراخ ميلودراما، ولا موسيقى تحذرنا من اقتراب الشبح، كل شيء يجري ببرود شديد، وسط موائد مرتبة، وثياب أنيقة، وغرف واسعة، وأوامر واضحة… واضحة وضوحًا مرعبًا ومثير للاشمئزاز.

ولهذا قد يصبح الفيلم أقل ارتباطًا بما نسميه انحراف وأكثر ارتباطًا وتمثيلاً لما يمكن أن تفعله السلطة حين تملك القانون والحراس والقدرة على تعريف البشر.
تسحب من الإنسان اسمه، ثم كرامته، ثم حقه في جسده، وفي النهاية حياته، بينما يواصل الجميع أداء أدوارهم كأنهم داخل مؤسسة شديدة الانضباط.
الشر هنا ليس نوبة جنون. الشر وظيفة إدارية.
“أليس هذا التصور الأقرب والأوضح للجحيم؟”

أكثر شخصية لفتتني كانت السيدة ماجي الحكّاءة التي تجلس بثيابها الأنيقة ووجهها المزين، وعلى خلفية موسيقية تروي حكاياتها المملوءة بالقذارة والانتهاكات والمحرمات.
التفاصيل تخرج من فمها بسهولة، من دون إدانة أو دهشة، ثم تتحول الحكايات إلى اقتراحات يسارع الرجال إلى تطبيقها على الضحايا.

هنا لم أرَ مجرد شخصية داخل الفيلم، رأيت الإعلام.

فالإعلام لا يصنع الجريمة دائمًا، لكنه يستطيع تطبيعها. يعيد روايتها، يمنحها شكلًا جذابًا، يضعها داخل إطار موسيقي وبصري مريح، ثم يكررها حتى تصبح قابلة للمشاهدة، وبعدها قابلة للتقبل.

الحكّاءة لا تحمل السلاح ولا تنفذ العقوبة بيديها، لكنها تنتج الخيال الذي تستند إليه السلطة، وتحول الجريمة إلى مادة للفرجة.
إنها لا تنقل ما يحدث فقط، بل تساهم في صناعته.
وهذا أكثر ما أخافني في الشخصية: قدرتها على السرد.

دائرة القذارة

على الأرجح أكثر أجزاء الفيلم إثارة للغثيان.، مشاهد التبرز وأكل الفضلات.
أصر بازوليني على أن يبدو الخليط المستخدم قريبًا إلى أقصى درجة من البراز الحقيقي، وبحسب ما كتبه جيديون باخمان -الذي زار موقع التصوير بنفسه- صُنع الخليط من الشوكولاتة السويسرية والبسكويت ومربى البرتقال، ليكون صالحًا للأكل رغم مظهره.
ومع ذلك، لم يتمكن باخمان نفسه، مثل معظم أفراد طاقم التصوير، من ابتلاعه عندما جربه.
الاشمئزاز نتاج الفكرة.
والتخيل يستطيع أن يهزم المعرفة.

السلطة لا تمتلك أجسادكم فقط، بل تمتلك معنى الأشياء أيضًا: ما نطلق عليه طعامًا يصبح طعامًا، وما نسميه قانونًا يصبح قانونًا، حتى لو كانت حواسكم كلها تصرخ بالعكس.

صدمة شخصية جداً
في أثناء المشاهدة، كانت صدمتي الشخصية تمتد إلى الماركيز دو ساد نفسه، كنت أميل إلى تحميل العصر الحديث والإنترنت جزءًا كبيرًا من ظلام النفس البشرية… وفرة الصور، وسهولة الوصول، والدارك ويب، والمساحات السرية التي تسمح لكل خيال منحرف بأن يجد جمهوره.

صدمني كيف أن رجلًا مسجونًا في الباستيل عام 1785 استطاع أن يكتب كل هذا العفن قبل الإنترنت ومنصات الفيديو والمجتمعات الرقمية!
ربما لم تصنع التكنولوجيا الظلام؛ هي فقط وفرت له أدوات أسرع للعرض والتبادل والتنفيذ. العطب أقدم من الوسيلة، وكل عصر يمنحه أدواته الخاصة… وبازوليني منحه صورة.

حين تلتهم الصدمة الفكرة

يحمل “سالو” ادعاءات أيديولوجية كبيرة وكثيرة.
أفكارًا سياسية عن الفاشية، والرأسمالية، والاستهلاك، وتحويل الجسد إلى سلعة، وطاعة السلطة.
ونقل عالم رواية ساد إلى جمهورية سالو ليس اختيارًا عشوائيًانالجنس داخل الفيلم ليس علاقة بين جسدين، بل صورة فجة لعلاقة المستغِل بالمستغَل، ولإنسان يعتقد أنه يملك حقًا مطلقًا في إنسان آخر.

لكن السؤال الذي ظل يطاردني لم يكن: ماذا أراد بازوليني أن يقول؟ لقد فهمت ما أراد أن يقول.

السؤال هو: هل وصلت الفكرة فعلًا، أم أن الصدمة ابتلعتها؟

من الممكن الدفاع عن الفيلم بسهولة، يمكن القول إن غياب الحكم الأخلاقي المباشر لا يعني الموافقة، وإن برود الكاميرا هو الإدانة، وإن المشاهد لا يخرج راغبًا في هذا العالم بل رافضًا له، ومن هنا يمكن التمييز بين “سالو” والفيلم الإباحي، لأن “سالو” يبني حجة عن السلطة ولا يقدم المتعة الجنسية.

أفهم هذا كله… لكنني لم أستطع، أثناء المشاهدة، أن أفصل بسهولة بين استخدام الصورة لفضح الانتهاك، واستخدام الانتهاك لصناعة صورة صادمة.

وهذه ليست ملاحظة أخلاقية محافظة، ولا اعتراضًا على وجود القبح في الفن.
الفن ليس مطالبًا بأن يكون مؤدبًا، والمخرج ليس ملزمًا بأن يحمينا.
لكن من حقي أن أسأل: هل كل ما يمكن تصويره يجب تصويره؟ وهل تمنح الرسالة السياسية صاحبها حق دفع الممثل والمشاهد إلى هذا الحد؟

كلما حاولت الإمساك بالفيلم بوصفه تحليلًا للفاشية، دفعني مشهد جديد إلى الخلف.
وكلما بدأت أرى السلطة مركزًا للحكاية، قدم بازوليني انتهاكًا أشد، كأنه لا يثق في أن الفكرة وصلت، فيضاعف الجرعة مرة بعد مرة.

المشكلة ليست فقط أن الفيلم صادم، المشكلة أن الصدمة تتحول إلى جلبة، وحين ترتفع أكثر من اللازم، نصبح غير قادرين على سماع الفكرة التي يقال إنها تقف خلفها.

بازوليني أراد أن يصنع فيلمًا لا يستطيع السوق ابتلاعه وتحويله إلى منتج سهل الاستهلاك. لكنه صنع، من دون أن يقصد ربما، فيلمًا أصبح استهلاكه قائمًا على سمعته: الفيلم الممنوع، الفيلم الذي لا يستطيع الناس إكماله، الفيلم الأكثر قسوة واشمئزازًا

بازوليني خارج سالو

الفيلم قاسٍ ومشوّه ومربك، وصاحبه لم يكن شخصًا سهلاً أو مريحاً أصلاً.بازوليني لم يكن مخرجًا مريحًا ولا رجلًا يمكن وضعه تحت لافتة واحدة.عرف كشاعر وكاتب ومفكر ماركسي بطريقته، واصطدم باليمين والكنيسة والمحافظين، ولم يكن ابناً باراً لليسار أيضًا فقد عاش على مسافة من كل التصنيفات.في عام 1949 دخل بازوليني في واحدة من الفضائح التي ستظل تلاحق اسمه للأبد، بعدما وُجهت إليه اتهامات تتعلق بقاصرين وأفعال مخلة في مكان عام، انتهت القضية دون إدانته، لكن أثرها كان كافيًا لتغيير حياته، فُصل من عمله، وطُرد من الحزب الشيوعي المحلي، وانتقل مع والدته إلى روما.

هذه الواقعة لا أستدعيها هنا لمحاكمته من جديد، ولا لتبرئته، ولا لكي نختصر سالو في سيرة صاحبه الشخصية، فهذا كسلٌ نقديٌّ فادح، لكنها تفتح باباً مهماً لفهم التعقيد الذي جاء منه الفيلم، علاقة بازوليني بالمحرم، والرغبة، والنبذ، والاضطهاد، والسلطة التي لا تكتفي بمعاقبة الجسد، بل تعاقب الوجود نفسه.

قُتل بازوليني في 2 نوفمبر 1975، بعد انتهاء الفيلم وقبل عرضه، وعُثر على جسده مضروبًا ومشوهًا وقد تعرض للدهس.أُدين شاب بالجريمة ثم تراجع عن اعترافه بعد عقود، وبقيت ملابسات القتل محاطة بالتناقضات والنظريات، من دون دليل قاطع يربطه بالفيلم.ومن يومها، بقيت الحكاية مفتوحة على كل الاحتمالات: تناقضات في التحقيق، نظريات سياسية، فرضيات جنائية، وأسئلة أكثر من الإجابات. لكن حتى اليوم، وبعد أسابيع من البحث فيما أتيح لي على الإنترنت لم أجد دليلاً قاطعاً يربط بين مقتله وبين سالو نفسه.المفارقة القاسية أن الصحف، وهي تتناول خبر موته، نشرت صورًا مروعة لجسدهن وكأن العنف الذي حاول حصره داخل الصورة خرج من الفيلم، ثم عاد إليه شخصيًا في أكثر صوره واقعية ونهائية. صار من الصعب مشاهدة العمل من دون رؤية جثة صاحبه في الخلفية، ومن دون التفكير في أنه لم يعش ليرى كيف تحول فيلمه إلى واحد من أشهر الأفلام الممنوعة والمكروهة في تاريخ السينما.

أعرف أن “سالو” يملك بناءً بصريًا محكمًا، وأن بروده وتنظيمه وغياب البطولة التقليدية اختيارات واعية. لكن معرفتي بكل ذلك لم تجعلني أراه فيلمًا عظيمًا.
ما زلت غير مقتنعة بأن كل هذا العنف وهذه القذارة كانا ضروريين. وما زلت أعتقد أن بازوليني، في سعيه إلى فضح تحويل الجسد إلى سلعة، عرض الجسد طويلًا وبإصرار، وحوّله هو نفسه إلى مادة للفرجة.
ربما تكون هذه قوة الفيلم، وربما تكون خطيئته.
لم يغير «سالو» رؤيتي للفاشية بقدر ما غيّر رؤيتي وأثار في رأسي عشرات الأسئلة حول حدود الصورة الفنية.
 متى يكون عرض العنف فضحًا له، ومتى يصبح إعادة إنتاج؟
هل يمكن لفيلم أن يدين التلذذ بالمشاهدة بينما يبني وجوده كله على إجبارنا على المشاهدة؟

لا أعرف… لكنني، للأسف، قد شاهدته.

أضف تعليق