ولاء ماضي | Walaa Mady

إعلامية | كاتبة | باحثة في الإعلام

لماذا يكون الأسهل دائمًا أن تدفع المرأة الثمن؟

After the Hunt
تحذير: المقال يكشف أحداث الفيلم.

منذ ظهور جوليا روبرتس في After the Hunt، وأنا لا أرى أمامي أستاذة فلسفة مرموقة فقط، بل أرى قائمة طويلة من أحلامي الشخصية وأجزاء مني وقد تحولت إلى ألما.

البنطلونات الستان الواسعة، الملابس السادة والألوان الفاتحة، البيت الأنيق الذي يبدو كأنه صُمم لاستقبال تجمعات لا تنتهي، والحفلات التي يتحدث فيها الجميع عن الفلسفة والأخلاق والسلطة بصياغات أكاديمية أكثر من اللازم، لكنها تتم خلال تبادل أطراف الحديث وتناول الطعام… عادي.

حتى زوجها يبدو جزءًا من صورة تخصني، رجل محب، مهتم، يرى كل شيء، ويفهم أكثر مما تقول، ومستعد لأن يظل بجوارها حتى وهي تمنحه القليل فقط من نفسها.

ألما امرأة ناجحة بنت حياة تليق بالصورة التي اختارتها لنفسها، أستاذة فلسفة في «ييل»، صاحبة حضور، وبيت، وزوج، وتلاميذ يدورون في فلكها، لكنها… رغم كل هذا الاتزان الظاهري المبهر، تحتفظ بماضٍ تقول إنه انتهى، وبزميل تعرف أن علاقتها به ليست عادية، ثم تصر على تسمية كل شيء بغير اسمه.

هنا تحديدًا تخرج ألما من الشاشة، وتبدأ المسافة بيننا في الاختفاء… وهنا تحديدًا يبدأ الفيلم.

حياة مثالية… بشرط ألا يسأل أحد

في بيت ألما، لا توجد قطعة موضوعة بالصدفة، ويبدو أن حياتها كلها مرتبة بالطريقة نفسها، الماضي داخل مظروف، الألم خلف وصفات الدواء، والعلاقة مع هانك تحت مسمى الصداقة.

ألما تقلل من أهمية ما حدث بينها وبين هانك كي لا تضطر إلى الاعتراف بأن وجوده المستمر في حياتها ليس صداقة.
تسمح له بالاقتراب، بالمغازلة، وباحتلال مساحة لا تخص الزملاء، ثم تتصرف كأن الحدود لم يتم تجاوزها طالما أن الحدود نفسها لم تشتك!

ظللت أتساءل: كيف تورطت هذه المرأة الفشيخة مع هانك المدعي والمتسلق؟ إنهما مختلفان تمامًا، حتى في ذوقهما في الطعام.
ربما لم تحتفظ به لأنه يشبهها، بل لأنه يمثل المساحة الوحيدة التي تسمح لها بكسر صورتها المثالية؟
الخطأ الذي تصر على الاحتفاظ به رغم أنه لا يضيف إلى حاضرها شيئًا، ومجرد ظهوره قادر على قلب هذا الحاضر رأسًا على عقب.

هل لم تكن ترى حقيقته، أم اختارت ألا تراها؟

أعتقد أنها كانت ترى ما يكفي، لكنها صدّقت النسخة التي تسمح لها بالاحتفاظ به.
فالإنسان لا يتجاهل الحقيقة دائمًا لأنه ساذج، أحيانًا يتجاهلها لأن الاعتراف بها سيجبره على خسارة شيء يحبه، أو مواجهة صورة لا يحبها عن نفسه.

لكن الفيلم لا يتركها في هذه المنطقة المريحة.
حين تتهم إحدى طالبات ألما هانك بالاعتداء عليها، لا تواجه ألما حقيقة صديقها فقط، بل كل ما اختارت ألا تسميه طوال سنوات.

ثم يأتي المشهد الذي يتجاهل فيه هانك رفض ألما، ويواصل الاقتراب منها رغم قولها «لا».
هنا يحسم الشك، هانك فعلها.
نحن لم نر ما جرى مع ماجي، لكننا نكتشف رجلًا يرى أن رغبته تسمح له بتجاوز حدود المرأة، ثم إعادة صياغة ما حدث بالطريقة التي تنقذه.

أنا أصدق ماجي، وأتعاطف مع ألما

ولا أرى تناقضًا بين الجملتين.
أصدق أن ماجي تعرضت للاعتداء، وأرفض في الوقت نفسه أن تتحول ألما إلى المتهمة البديلة.

ألما ليست مطالبة بأن تدفع ثمن اعتداء زميلها على طالبته، قد تخذل المبادئ التي تدرّسها، وقد تختار الصمت أو الشهادة، وقد تخطئ في حساباتها… هذه معركتها مع ضميرها.
لكنها حرة في قرارها، وليس من حق ماجي أن توجه غضبها نحوها، أو أن تفسد حياتها لأنها لم تؤدِّ دور الشاهدة كما أرادته.

المفارقة أن هانك هو المعتدي، لكن ألما هي التي تُحاكم!
ماجي لا تكتفي بمطالبته بتحمل مسؤولية ما فعله، بل تنقل معركتها إلى المرأة التي لم تمنحها التصديق والطاعة اللذين انتظرتهما، فتفتش في ماضيها، وتكشف سرها، وتضعها في قلب الفضيحة! تدريجيًا، يصبح تدمير ألما هدفًا كاملًا، لا أثرًا جانبيًا لمعاقبة هانك.

ألما أخطأت بالتأكيد… ارتبكت، شكت، وحاولت حماية موقعها وصورتها قبل حماية تلميذتها، كما أن تزويرها وصفة الدواء كان خطأها وحدها وسببًا مباشرًا في سقوطها المهني، لكن شيئًا من ذلك يجعلها مسؤولة عن فعل هانك، أو يبرر تحويل حياتها كلها إلى ساحة انتقام.

حقًا لا أعرف لماذا يصبح الانتقام من المرأة التي تقف في المنتصف أسهل، وأحيانًا أكثر إشباعًا، من مطاردة الرجل الذي ارتكب الفعل؟ ربما لأن المرأة تعرف جيدًا أين تؤلم امرأة أخرى: صورتها، وأخلاقها، وعلاقاتها، والأسرار التي بنت حياتها فوقها.

الرجل قد ينكر أو يختفي أو يبدأ حياة جديدة، أما المرأة فيمكن إخضاع حياتها كلها للمحاكمة: لماذا لم تصدق؟ لماذا سكتت؟ لماذا احتفظت به؟ ولماذا لم تكن أفضل مما يسمح به ضعفها البشري؟

وفي النهاية… هذا تقريبًا ما يحدث، يجد هانك لنفسه وظيفة جديدة ومربحة في السياسة، بينما تضطر ألما إلى تمزيق ماضيها وإعادة تقديمه علنًا كي تستعيد مكانها، وحتى حين “تفوز” كما قالت لها ماجي، لا تفوز لأنها لم تخطئ، بل لأنها عرفت كيف تحول جرحها إلى الرواية التي تسمح لها بالنجاة.

بعد المطاردة

رغم كل نقاشاته عن الحقيقة والسلطة والرضا، لا يمنحنا After the Hunt إجابة نظيفة، وهذه إحدى نقاط قوته ومشكلاته معًا. الفيلم ذكي، وأحيانًا يبالغ في استعراض ذلك، حواراته مصقولة أكثر مما ينبغي، وشخصياته تتحدث كأنها تدافع عن أطروحات أكثر مما تعيش حياة، كما أن امتداده لما يقارب الساعتين والنصف يجعل بعض أفكاره تدور حول نفسها قبل أن تصل.

لكن تمنحه مركزه الحقيقي… ألما ليست ضحية مثالية، ولا امرأة شريرة تستحق السقوط، هي فقط امرأة بنت حياتها بمثالية شديدة، ثم اكتشفت أن الأشياء التي تجاهلتها لم تختفِ، كانت فقط تنتظر اللحظة المناسبة لتخرج من المظروف.

ولذلك لا يعنيني إن كانت ألما نموذجًا أمينًا للمبادئ التي تروّج لها، يعنيني أن الرجل ارتكب الفعل، ثم تحولت المعركة إلى مواجهة بين امرأتين، وأن المرأة التي وقفت في المنتصف دفعت ثمنًا أكبر من الرجل الذي بدأ الحكاية كلها.

وفي اللقطة الأخيرة في المطعم بين ألما وماجي نسمع صوت المخرج Luca Guadagnino يقول “CUT” مباشرة بعد دفع ألما الفاتورة، كأن الفيلم يكشف فجأة أن الجميع كانوا يعيدون تقديم أنفسهم داخل رواية تسمح لهم بالاستمرار… انتهى المشهد، لكن توزيع الثمن ظل كما هو: ماجي تحمل ما حدث لها، وألما تدفع الفاتورة للجميع، وهانك يبدأ من جديد.

الصيد انتهى، لكن الرجل الذي بدأت المطاردة بسببه لم يكن، في النهاية، هو الفريسة.

أضف تعليق