كأننا استيقظنا ذات صباح واكتشفنا -بقدر هائل من الغضب- أن الأرض لا يسكنها رجال ونساء!
ولم يكن الاكتشاف لطيفًا، حيث أن كل طرف يقف على أطراف أصابعه ينظر إلى الآخر كأنه خطر محتمل، أو مشروع خسارة، أو خصم يجب تأمين النفس منه قبل الاقتراب منه.
لم يبدأ الأمر هكذا، بدأ بنكات خفيفة عن الزواج الذي يبدأ في قاعة أفراح وينتهي في محكمة الأسرة، وعن الزوج الذي سيخسر شقته، والزوجة التي ستخرج من الزواج بما لم تدفعه.
ثم خرجت النكتة من مساحتها، واكتسبت بالتدريج لغة أكثر غضبًا، حتى تحولت مؤسسة الزواج من علاقة يفترض أن تقوم على المودة والشراكة إلى مفاوضات بين طرفين، يدخل كل منهما حاملًا آلته الحاسبة ومحاميه وسوء ظنه.

هل القايمة ضمان لحقوق المرأة، أم سكين على رقبة الرجل؟ هل تجهيز المنزل مسؤولية الزوج وحده؟ وإذا ساهمت الزوجة معه، فهل تكون شريكة أم مجرد طرف يحاول حماية ما دفعه؟ أسئلة مشروعة… لكنها تُناقش باعتبارها معركة تكسير للطرف الآخر، لا أزمة اجتماعية واقتصادية وقانونية تحتاج إلى حل.
هنا يظهر ما يُعرف في دراسات الصراع بـ(النموذج اللولبي-Spiral Model) إذ يرى كل طرف خطابه دفاعًا مشروعًا عن حقوقه، بينما يستقبله الطرف الآخر بوصفه تهديدًا أو اعتداءً جديدًا، فيرد بخطاب أشد، فتتسع دوّامة التصعيد.
يحكي رجل قصة عن زوجة استغلته، فترد امرأة بقصة عن زوج سلب زوجته حقوقها، ثم تأتي حكاية أكثر قسوة، ويقابلها رد أكثر تعميمًا، حتى لا تعود تلك الحكايات حالات فردية، بل تتحول إلى أدلة اتهام ضد جنس كامل.
وبالتوازي، تسهم وسائل الإعلام والحسابات الموجَّهة، عبر الانتقاء والتكرار، في تعميق الانقسام حتى يتحول إلى ما يُعرف بـ(الاستقطاب الوجداني-Affective Polarization) عندها لا يعود الخلاف متعلقًا بمادة قانونية أو عُرف اجتماعي، بل يتحول إلى نفور وكراهية متبادلة.
فنحن لا نختلف مع الطرف الآخر فحسب، بل نشك في طبيعته ونواياه وأخلاقه.
لم يعد الأب والأخ والزوج أفرادًا لكل منهم شخصيته واختياراته، بل اختُزلوا جميعًا في صورة واحدة هي “”الرجل”.
وكذلك لم تعد الأم والأخت والزوجة أفرادًا مختلفين، بل اختُزلن جميعًا في صورة واحدة هي “المرأة” ثم تُستدعى كل واقعة جديدة لتأكيد حكم صدر مسبقًا .

لا يمكن تجاهل الدور الذي تؤديه الحسابات المجهولة أو حديثة الإنشاء، خصوصًا تلك التي يبدو أن نشاطها الوحيد هو نشر أكثر القصص استفزازًا عن العلاقات بين الجنسين، السؤال هنا ليس “من يحركها؟” فقط، بل من يستفيد من نتائجها؟
سياسيًا، يحيلنا ذلك إلى استراتيجية الاستقطاب الوجداني، حيث المجتمع المنقسم إلى رجال غاضبين ونساء خائفات يصبح أقل قدرة على رؤية جذور أزمته، بدلًا من مساءلة غياب نظم الحماية واختلال قوانين الأسرة، يسهل إقناع الرجل بأن المرأة هي سبب خسارته، وإقناع المرأة بأن الرجل هو مصدر تهديدها الوحيد.
وهكذا يتحول الصراع من مواجهة بين المواطن والأسباب الحقيقية للأزمة إلى حرب أهلية صغيرة داخل كل بيت.
لكن السياسة ليست المستفيد الوحيد، المنصات نفسها تربح من الغضب… العلاقة الناجحة لا تصنع ترندًا، والزوجان اللذان اختلفا ثم توصلا إلى حل لا يجلبان ملايين المشاهدات، أما حكاية الخيانة والاستغلال والضرب والقايمة والسجن، فهي وقود مثالي لخوارزمية لا يعنيها أن يتصالح المجتمع؛ يعنيها فقط أن يظل متصلًا بالشاشة.
المشكلة إذاً ليست في من يشتري العفش ولا في الورقة التي يوقعها الزوج، بل في تحوّل الزواج كله من مودة ورحمة إلى معادلة خسارة وربح.
عندما يدخل الطرفان العلاقة وهما يسألان”كيف أضمن ألا يضحك عليّ؟” قبل أن يسألا عن عن الحياة المشتركة التي تنتظرهما، تكون مؤسسة الزواج قد فشلت قبل أن تبدأ، وأهلاً بمحكمة الأسرة.

الحل لا يكون بإلغاء حقوق النساء، ولا بإنكار مخاوف الرجال، ولا بمطالبة أي طرف بثقة عمياء. يبدأ الحل بإعادة النقاش إلى مكانه الصحيح:
قوانين واضحة وعادلة.
توثيق حقيقي للمساهمات.
مسؤوليات تتناسب مع قدرات الطرفين.
أما الاستمرار في التعامل مع كل رجل باعتباره متهمًا، وكل امرأة باعتبارها فخًا! سيترك فقط مجتمعًا غاضبًا، يكره نصفه الآخر، بينما يقف المستفيد الحقيقي خارج المعركة، يتابع الأرقام، ويجمع الأرباح.

أضف تعليق